اسماعيل بن محمد القونوي

426

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

المذكورة في الآية للإشارة إلى أن التشقق معتبر في قوله وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ لأن المقصود بيان تأثر الحجارة والتفجر صفة الأنهار مسند إليها وإن كان له تعلق بالحجارة بتوسط كلمة منها إلا أنه ترك التصريح به في الآية لدلالة التفجر عليه دلالة واضحة حتى كان ذكره معه مكررا بخلاف يخرج فإن قيل الأولى أن يكون لما تشقق فيخرج منه الماء مقدما على تفجر الأنهار ليكون ترقيا من الأدنى إلى الأعلى كما هو مقتضى النص لأن انفجار الماء وجريانه أعلى من خروج الماء بلا جريان فجوابه أن المص اختار طريق الترقي لأنه أقرب إلى الطبع وأنجح في المقصود فالقول بأن قوله تعالى : وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ [ البقرة : 74 ] الخ وارد على نهج التتميم دون الترقي كالرحمن الرحيم إذ لو أريد الترقي لقيل وَإِنَّ مِنْها لَما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْماءُ [ البقرة : 74 ] وإن منها لما يتفجر منه الأنهار ضعيف لما عرفت من أن المص حمل النظم على هذا الأسلوب والتقديم في الذكر لنكتة كثرة الانتفاع بالأنهار وإن الواو لا تقتضي الترتيب واستيعاب جميع الانفعالات متحقق سواء حمل الكلام على طريق الترقي كما هو المختار أو على طريق التتميم والادعاء بأن فائدته استيعاب جميع الانفعالات التي على خلاف طبيعته وهو أبلغ من الترقي ليس بتام على أن استيعاب جميع الانفعالات عند التحقيق في حيز المنع . قوله : ( ومنها ما يتردى من أعلى الجبال ) أي يسقط هذا تفسير يهبط التردي والهبوط يتحققان بالحركة الإرادية فهو مجاز هنا قوله ( انقيادا لما أراد اللّه تعالى به ) إشارة إلى أن الخشية مجاز عن الانقياد كما سيجيء . قوله : ( وقلوب هؤلاء ) أظهر موضع المضمر وعبر باسم بالإشارة للتحقير . قوله : ( لا تتأثر فلا تنفعل عن أمره ) وهذا يخل بالتشبيه وإن كان الغرض منه بيان أشدية القلوب فالمراد أن قلوبهم لا تتأثر أصلا بالزواجر والحجارة تتأثر في الجملة لا بالجملة فهما متشاركان في عدم التأثر لكن عدم التأثر في قلوبهم أشد لعدم تأثر قلوبهم عن أمره تعالى وأما الحجارة فهي متأثرة عن إرادة اللّه تعالى وفي ذكر الإرادة في الحجارة والأمر في قلوب هؤلاء تنبيه نبيه فلا تغفل وقلوب هؤلاء متأثرة أيضا بما أراده اللّه تعالى وبالأمر التكويني وإن لم تتأثر بالأمر التكليفي لكونها مطبوعة ومختومة لكن المعتبر في قوله : وقلوب هؤلاء لا تتأثر ولا تنفعل عن أمر اللّه اشعار بأن قوله عز وجل : وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ [ البقرة : 74 ] إلى آخره في ضمن افادته معنى التعليل والبيان يفيد أيضا معنى التعريض لهم قوله والتفجر التفتح بسعة وكثرة معنى الكثرة مستفاد من صيغة الجمع ولفظ النهر وهو المجرى الواسع .

--> - فاتضح ما ذكرنا من أن تفجر الأنهار معتبر فيه الانشقاق وأن التقدم في الذكر لكثرة نفعها وإن التقابل بين النبوع والتفجر لكون الجريان معتبرا في الأنهار دون العيون .